سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
74
رسائل في الفلسفة والعرفان
الحكمة بأصل الفطرة لا يحتاج فيما يقصده إلى الفكر والنظر ، وحيه من نفسه ، زكيّ الأخلاق ، رفيع الهمّة ، قد بُثّ فيه شوق خلقيّ ونور جِبِلّيّ إلى تربية من أُرسل إليهم يفدي بروحه لذلك [ 1 ] ، ولا يبالي في هداية شخص باقتحام المهالك ، قد جلس على منصّة البلاغة حتى يحكم بالبيان إبلاغه ، فيكون أخلاقه ميزاناً لأخلاقهم ، وأعماله ميزاناً لأعمالهم ، وذلك إنّما يكون على حسب احتياج النوع إلى ذلك بقدر الاستعداد واستحكام موادّ الفساد ، فهذا الشخص المتّصف بهذه الصفات هو النبيّ . ولما بلغ العالَم إلى درجة في اكتساب المعلومات ووجوه المعارضات ، وجالوا في ترتيب الأفكار ، وكانوا في استعداد للتنبّه والاستبصار ، بعث فيهم نبيّاً كاملًا ، عموميّ الفكر ، صادق اللهجة ، في أعلى طبقات الكمال ، وختم الامر به وتمّم ؛ لعدم احتياجهم إلى غيره ؛ إذ كلّما تقادم الزمان قويت دواعي العرفان ، وقد بيّن لهم إجمالًا ينبّئ عن تفاصيلهم ، قد أحاط بجميع مهمّاتهم على اختلاف أحوالهم في أعصارهم صلّى اللَّه عليه وسلّم وعلى آله وصحبه . ولا يخفى على عاقل أنّ مثل هذا الرجل الكامل ، لابدّ منه في عالم الوجود لهذه الترقية على ما هو مقتضى العالم ، وترتيبه على الأسباب والمراتب . ومن لطائف الوقائع ما وقع للفاضل الأُستاذ في الاستنبول مع جماعة من الطبيعيين ، وقد كانوا يسخرون بالأنبياء ، وذلك أنه قال لهم : يجب على من أنكر الأُلوهيّة - فضلًا عمن أثبتها - الاعتقاد بالنبوّة ؛ وذلك لأنّ الطبيعة قد اقتضت للشخص كبداً وقلباً وروحاً لأجل بقاء وجوده ، واقتضت أشياء ، مثل تقعير الكف وتقويس الحاجب وهدب الأشفار ونحو ذلك ؛ لكماله في وجوده ، واقتضت للنوع آلة تكون سبباً في بقائه ، والأسباب كثيرة ، فإذا لم يكن هذا الرجل الكامل لهذا العالم بمنزلة الروح للشخص ، فهلّا كان مثل تقعير الكفّ وتقويس الحاجب وهدب الأشفار ونحو ذلك ، فسكتوا وقبلوه . هذا لسان الحكيم في هذا الباب .
--> [ 1 ] كذا ، والمناسب : « يفدي روحه لذلك » ، أو « يفدي بروحه ذلك » .